بيوت الحارة قصة قصيرة تأليف : محمد كسبه
جلس على الرصيف يتأمل الناس و البيوت و حركة الحياة التي أنهكت الشارع .
بيوت تهدمت و أصبحت مجرد أطلال و أخرى تحتاج إلى ترميم كي تستعيد عافيتها و تسعد سكانها من جديد .
وضع الحاج علي ذو السبعين عاما ، رأسه فوق عصاه التي يتوكأ عليها ، و ظل يغفو في نوم القيلولة .
وجد نفسه في وسط الشارع بين البيوت كأنه في ساحة المحكمة ، يسمع و يفصل في المنازعات بين البيوت .
يا حاج علي أنا أقدم بيت في هذه الحارة ، أنا أعتبر بيت أثري ، توارثتني أجيال و أجيال و ما زلت قائما حتى الآن ، لكن بسب هذا البرج الذي بجواري أصبحت أتألم أتحطم من الداخل . ألا ترى هذا الميل بالبرج المتلاصق .
نعم أرى الميل ، إنه واضح جدا .
أنا لا يوجد بي أي ميول فأنا أقوى وأعظم و أكبر البيوت هنا ، أنا برج و لست بيتا مثلكم ، ألا ترون ارتفاعي ، ألا ترون جحمي ، يا حمقى ألا تدركون مساحتي .
مهلا … مهلا أيها البرج لا تتفاخر بحجمك و مساحتك فأنت مائل شئت أم أبيت ، و من الممكن أن تهدم لاحقا .
أنا مائل ، بالطبع لا ، أنتم تتخيلون هذا فنظركم يختل ، بل توازنكم يختل حين تنظرون للأعلى .
العشرون طابق كفيلة أن تجعلكم لا تدركون الحقيقة .
اصمت أيها البرج الأحمق فأنت لا تدرك حقيقة الأمر ، فربما تكون أيامك معدودة .
سيدي الحاج علي هذا المتكبر يميل علي مما أدى إلى إحداث شقوق و شروخ بداخلي ، فبعد أن كنت رغم الزمن قويا ، الآن أنا اتهدم و أطلب من سيادتك أن تضع حدا لهذه المهزلة ، و أريد حقي في الترميم سأقاضي هذا البرج المتعالي .
هذا حقك و سوف أنظر في الأمر .
يا حاج علي أنا البيت المهجور ، أنا بيت الأشباح ، أنا أريد سكان أريد ناسا يسكنون طوابقي ، هل يرضيك أن يبنيني أحدهم بهذا الرونق و الجمال و يتركني فارغا أعوم بعد أعوام ، هكذا أصبحت بيتا مسكون بالجن و الأشباح ، هذا سوء تصرف في حقي من المالك .
مهلا … مهلا أنت تتحدث عن الرونق و الجمال ، كيف هذا و أنت بلا تخطيط ، و كل طابق بنظام و تشطيب مختلف إنك مجرد بهرجة ألوان ، أيها القبيح كما ذكرت انت بيت الأشباح فلتصمت .
اسكت أيها البرج المتعالي ولا تتفوه بكلمة و إلا سوف اتقدم بشكوى للإدارة الهندسية ضدك ، فأنت جملة من الرشاوي و جملة من المخالفات .
مهلا … مهلا يا حاج لا تفعل ، سأصمت ولن أتحدث ثانية أبدا.
و أنت أيها البيت الأبيض ، ما لي أراك صامتا لا تتحدث لم هذا ؟ يبدو عليك الوقار و الانسجام ، يعجبني الهدوء .
الهدوء يا سيدي لا يعني الراحة و لا يعني قبول الواقع ، لكن هو الصبر يا سيدي ، إنني صبور ، بل صبور جدا .
صبر أي صبر ، صبر على ماذا ؟
سأحكي لك يا سيدي الفاضل ، هل تري ذلك البيت الذي أمامي .
نعم أراه جيدا ، هل توجد فيه مشكلة ؟
نعم هذا البيت غير محترم ، إنه بيت سيء السمعة ، و هذا يكفي ، لن أخوض في الأعراض .
نعم هذا يكفي و يجب أن لا يكون مثل هذا البيت في شارعنا .
عذرا سيدي الحاج علي ، أنا بالفعل سيء السمعة ؛ لكن هذا لا شأن لي به إنه القدر يا سيدي ، فأنا لا أختار سكاني .
كان الله في عونك .
كل البيوت تنادي يا حاج علي ، يا حاج علي ، يا حاج علي …….
آذان العصر أفاق الحاج علي من غفوته ، فذهب للصلاة في الجامع القائم بنهاية الشارع .
بعد الصلاة تفاجأ بالبلدوزر يهدم البرج المخالف ، و فى الناحية الأخرى الشرطة داهمت و اعتقلت سكان البيت سيء السمعة .
التعليقات مغلقة.